تعرف على لماذا كان "المسيح" ينادي العذراء يا امرأة وليس يا أمي؟

سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر
يجد المشككون فى العقيدة المسيحية فى نداء السيد المسيح على أمه السيدة مريم العذراء مستخدمًا لفظة يا امرأة مدخلًا لهم، غير أن من يقولون بذلك يحكمون على الترجمة العربية للكتاب المقدس الذى كتب باليونانية.
لم يقل المسيح «يا أماه» بل «يا امرأة»، وهو تعبير يونانى فى الكتاب المقدس يدل على المساواة وتعبير احترام وعطف مبالغ، وفى الأدب اليونانى لقب امرأة (جوناي) هو لقب احترامى فى هذا الزمان وبعده فيخاطب «أوديسيوس» زوجته المحبوبة «بنلوب» بلقب «امرأة» وأغسطس قيصر خاطب كليوباترا ملكة مصر بنفس اللقب «امرأة» مما يدل على ما كان لهذا اللقب من تكريم واحترام.
لأن ما مارسه المسيح بخصوص تحويل الماء خمرًا لا يصدر بكونه إنسانًا أخذ جسدًا منها، وإنما بعمل لاهوته، حقًا ليس انفصالا بين لاهوته وناسوته، وما يمارسه السيد المسيح هو بكونه كلمة الله المتجسد، لكن بعض الأعمال هى خاصة به كابن الله الوحيد، والبعض بكونه ابن الإنسان.
لماذا قال «لم تأت ساعتى بعد» وقد قام فى نفس الساعة بعمل المعجزة؟ لقد أوضح لها أن ساعته للقيام بآيات علنية ومعجزات عامة أمام الجميع لم تأتِ بعد، لكنه يعمل دومًا. وقد تمم الآية فى هدوء بعد أن قدم الخدام الأجران حتى أن رئيس المتكأ والعريس لم يعرفا ذلك وإنما الخدام وحدهم.
لكى تتأكد من احترامه العظيم لأمه استمع إلى لوقا كيف يروى أنه كان «خاضعًا لوالديه» (لو ٢: ٥١)، ويعلن إنجيلينا (يوحنا) كيف كان يدبر أمرها فى لحظات الصلب عينها. فإنه حيث لا يسبب الوالدان أي إعاقة فى الأمور الخاصة بالله فإننا ملتزمون أن نمهد لهما الطريق، ويكون الخطر عظيمًا إن لم نفعل ذلك. أما إذا طلبا شيئًا غير معقول، وسببا عائقًا فى أى أمر روحى فمن الخطر أن نطيع! ولهذا فقد أجاب هكذا فى هذا الموضع، وأيضًا فى موضع آخر يقول: «من هى أمي؟ ومن هم إخوتي؟» (مت ١٢: ٤٨)، إذ لم يفكروا بعد فيه كما يجب. وهى إذ ولدته أرادت كعادة بقية الأمهات أن توجهه فى كل شيء، بينما كان يلزمها أن تكرمه وتسجد له، هذا هو السبب الذى لأجله أجاب هكذا فى مثل هذه المناسبة، لقد اهتم بالغير واستخدم كل وسيلة ليغرس فيهم الرأى السديد الخاص به، فكم بالأكثر كان يليق به أن يفعل ذلك مع أمه.
ويقول القديس يوحنا الذهبى الفم إن السيد المسيح كان يود أن يأتى الطلب من الذين كانوا فى حاجة إلى ذلك وليس من أمه. لأنه إن كان ما يفعله يقوم على طلب صديق له فمع كونه أمرًا عظيمًا لكن قد يتشكك البعض فى الأمر، أما إذا سأل المحتاجون ذلك فلا يحوم الشك حول المعجزة، ويكون النفع أعظم. يشبه القديس الذهبى الفم السيد المسيح بطبيبٍ ماهرٍ متى دخل منزلًا به مرضى كثيرون فإنه إن تحدث مع أمه ولم يتحدث مع أحد المرضى أو مع أقربائهم يتشككون فيه ويتضايق المرضى.
أراد أن يظهر أنه يعمل كل الأشياء فى وقتها المناسب، ولا يفعل كل شيء فى الحال.. إنه ليس ملتزمًا بالضرورة للأزمنة، لكنه هو الذى وضع نظام الفصول، إذ هو خالقها. لذلك يقول: «ساعتى لم تأتِ بعد». وهو يعنى بهذا أنه لم يكن قد أعلن بعد لكثيرين، ولم يعد بعد له خورس تلاميذه.
علاوة على هذا فإننى يجب أن أُخبر بذلك ليس منكِ، أنتِ أمى، فسيُشك فى المعجزة. يليق بالذين يريدون الخمر أن يأتوا ويطلبوا منى ليس لأنى محتاج إلى ذلك، ولكن لكى بإجماعهم الكامل يقبلون المعجزة.
فإن الذى يعرف أنه فى عوز يصير شاكرًا عندما ينال عونًا، أما الذى ليس لديه الإحساس بالاحتياج لن يكون لديه إحساس واضح بالمنفعة التى نالها».
فمع كونه حريصًا على تكريم أمه، إلا أنه كان بالأكثر مهتمًا بخلاص نفسها، ويصنع ما هو صالح للكثيرين، الأمر الذى لأجله أخذ لنفسه جسدًا. كلماته إذن لم تكن صادرة عمن يتكلم بجفاءٍ مع أمه، بل بمن هو حكيم فى تدبيره، فيدخل بها إلى الفكر السليم، ولكى يجعل معجزاته تُقبل بالكرامة اللائقة بها.
إنه لا يريد أن يتسرع فى القيام بشيء، لأنه لا يريد أن يظهر كصانع المعجزات للذى لا يطلبه، بل ينتظر حتى يدعوه المحتاجون لا الفضوليون، فهو يعطى النعمة لمن يحتاج، وليس لمن يريد أن يتمتع بالمشاهدة.
ويقول القديس كيرلس الكبير: لم يكن رب الملائكة خاضعًا للساعة، إذ هو الذى خلق فيما خلق الساعات والأزمنة. لكن لأن العذراء الأم رغبت فى أن يصنع معجزة عندما فرغت الخمر، لذلك للحال أجابها بوضوح كما لو قال: «إنى أستطيع أن أفعل معجزة تأتى من عند أبى لا من عند أمى». فإن ذاك الذى فى ذات طبيعة أبيه صنع عجائب جاءت من أمه، وهو أنه يستطيع أن يموت. وذلك عندما كان على الصليب يموت. لقد عرف أمه التى عهد بها لتلميذه قائلاً: «هذه أمك « (يو ١٩: ٢٧). إذن بقوله: «ما ليّ ولك يا امرأة لم تأتِ ساعتى بعد» تعنى «المعجزة التى ليست من طبيعتك لست أعرفك فيها. عندما تأتى ساعة الموت سأعرف أنكِ أمى إذ قبلت ذلك فيك أننى أستطيع أن أموت».
ويقول البابا غريغوريوس الكبير: إن ما قاله السيد هو ليس شيئًا مشتركًا بين لاهوتى الذى ليّ دومًا من الآب وبين جسدك الذى أخذت منه جسدًا. لم تأتِ بعد ساعتى حيث بالموت أثبت الضعف البشرى الذى أخذته منكِ. أولًا يليق بيّ أن أبرز قوة لاهوتى السرمدى بممارسة قوتى. لكن تأتى الساعة التى فيها يظهر ما هو عام بينه وبين أمه عندما يموت على الصليب ويهتم بأنه يوصى التلميذ البتول بالعذراء. عندما يتحمل الضعف البشرى يتعرف على أمه الذى تسلم ذلك منها، ولكن حين يمارس الإلهيات يبدو كمن لا يعرفها، إذ يعرف أنها ليست مصدر ميلاده اللاهوتى.


zedan nafh zedan nafh
المدير العام

Informative

0  111 0

الكلمات الدلالية

آخر المجبين بالخبر

التعليقات


اكتب تعليقك هنا

اخبار مشابهة

اخبار مقترحة